محمد بن أحمد الفرغاني
46
منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض
يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ وَذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ( 111 ) [ التّوبة : الآية 111 ] ، واشترت تلك الحضرة مني نفسي ، فحقّقت أمر هذه المبايعة بتسليم النفس إليها بأن جاهدت حقّ جهادها ، وقتلت بسيف المجاهدة ، واستشهدت في سبيل حبها بفناء حظوظها وأوصافها ومحو أنيتها حتى أصبحت على المشاهدة فنقلتها من ملك أرضها التي هي الطبيعة بحكم ذلك الشراء وتسليم المبيع إلى ملك الجنّة التي كانت ثمن نفسي وظفرت النفس ببشرى تلك المبايعة حين أوفت بتسليم المبيع بتمامه وكماله رفعت نفسي عند هذا الانتقال من أرض الطبيعة إلى أرض الجنّة متعدّية هذه الأرض ومتجاوزة سماءها الموصوفة بالخلود ؛ لكونها عرش الرحمن ، أي محل استواء الاسم الظاهر تماما ، وقصدوا استقدارا معنويّا وبلوغا إلى أنهى كلّيات مراتبه ، وسمت بي إلى حضرة الجمع المختصّ بحقيقتي - يعني إلى أحدية الجمع - ولم ترض نفسي أن تميل إلى أرض خليفتي - يعني آدم عليه السلام - بحكم سكونه فيها بموجب أمر اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ [ البقرة : الآية 35 ] ، وإنما لم تمل إلى السكون في هذه الأرض لكونها متّسمة بسمة التقيّد لمظهرية الاسم الظاهر ، ثم بسمة الخلقية ، وقد ذكر كيفيّة كون آدم وبنيه من المرسلين وأولي العزم خلفاء هذه الحقيقة الأحمدية ، فاستحضر . وكيف دخولي تحت ملكي كأوليا ء ملكي وأتباعي وحزبي وشيعتي الحزب : جماعة فيها غلظة وشدّة ونضرة بذلك الغلظة والشدّة من الحزباء ، وهي الأرض الغليظة ، والشيعة : من تتقوّى بها الإنسان وينتشرون عنه ، ويقال : شيعة وشيع وأشياع . يقول : وكيف يكون دخولي تحت ما هو داخل تحت ملكيتي بحكم المبايعة المذكورة ، يعني : سماء الجنّة بحيث يتصرّف فيّ بأحكام أدوارها وتشكّلاتها واقتضاءاتها وتغيّراتها المتعلّقة بأحكام الزمان المعيّن أثره وعينه بدورتها ، وكيف يكون تقيّدي بهذه الأحكام والتصرّفات الصادرة من مملوكي عليّ وفيّ وكيف يتصور رضائي بأن يتصرّف المملوك المالك كما دخلت أولياء مملكتي من عموم الخلق تحت حكم تصرّف هذه السماء الموصوفة بالخلود ، وهو العرش الذي هو سقف الجنّة المملوكة لي بحكم المبايعة بحيث يتصرّف فيهم بالاقتضاءات الزمانية ،